مقابلة مع الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي

يعتبر جدعون ليفي واحد من الأصوات الشجاعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية الذي ترفع عن تقديس الطبقة الحاكمة في إسرائيل. منذ عام 1988 يكتب في صحيفة هآرتس الاسرائيليه اليومية مقال بعنوان "منطقة الشفق" أو (المنطقة الرمادية) ، ويتسم إعلامه بكشف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من وحشيه بلا هوداه تحت الاحتلال.
في كتابه الجديد عن غزة "غزه مقالات لصحيفة هآرتس 2006-2009" والذي طبعته دار نشر لافابريك ، يعبر ليفي عن وجهه نظره بشجاعة نادرة حيث تعبر اعترافاته عن الجزء الأكبر من مواطني إسرائيل والتي يعتبرها البعض أراء نادرة للغاية
وقد اجري الصحفي الايرلندي ديفيد كرونين مقابله مع جدعون ليفي :-
ديفيد : لقد ولدت في تل أبيب عام 1950 فهل كان والديك من الناجين من المحرقة ؟
جدعون : لا لم يكونوا من الناجين من المحرقة حيث كانوا قد غادروا ألمانيا عام 1939 فأبي من اصل ألماني وأمي من اصل تشيكي وقد كان مثالا نموذجيا للاجئين فقد كانا علي متن السفينة التي احتجزتها بريطانيا في ميناء بيروت لمده ستة أشهر حيث تسني لهما بعد ذلك التوجه إلي فلسطين وقد تم دخول والدتي عبر برنامج رعوي تابع لمنظمه غير حكوميه يسمي "الحفاظ علي الأطفال" حيث جاءت بدون والديها وتوجهت مباشره إلي الكيبوتز. أما والدي فقد جاء إلي فلسطين حيث عاش فيها لمده 60 عاما وقد اخبرني بأنه لم يجد فيها هويته الحقيقيه فقد كان حاصلا علي دكتوراه في القانون ولكنه لم يمارس القانون في إسرائيل وذلك لعدم تأقلمه علي تعلم اللغة العبرية فقد شعر أن حياته قد تحطمت هنا. وفي ذات الوقت فان أبي لم يريد أن يعود إلي أوروبا إلا كزائر حيث كان من منطقه تضم غالبيه السوديت الذين انضموا تحت ما عرف لاحقا بدوله "تشيكوسلوفاكيا" وهم الذين تم طردهم من ألمانيا.
ديفيد : ما هي ابرز فتره في تاريخ والديك تركت عليك تأثيرا أثناء فتره الطفولة والمراهقة؟
جدعون : لقد كنت من الجيل الأول من المهاجرين وكنت اشعر بالعار عندما كانت والدتي تتحدث معي بالالمانيه وهي لغة اجنبيه. كان اسمها "ليا" وهو اسم جميل من الأساطير اليونانية القديمة حيث كان يشير إلا أننا من المهاجرين الأوائل.
كان اسم عائلتي هو "ليو" ولعده سنوات كانوا ينادوني بهذا الاسم الذي قمت بتغييره لاحقا إلي "ليفي" وهذا ما يشعرني بالأسف حاليا.
ديفيد : حدثني عن فتره خدمتك العسكرية في الجيش الإسرائيلي ؟
جدعون : لقد خدمت في اذاعه الجيش فقد كنت الولد الطيب من تل أبيب حيث نشأت في بيت لم يكن يتحث من فيه بالسياسة.
وأتذكر مشاعري في أول زيارة للأراضي المحتلة "الضفة الغربية وقطاع غزه" حيث سرت في العواطف المتأججة عن زيارتي لقبر راحيل ورؤيتي للمسجد في الخليل. لم التقي وقتئذ بأي فلسطيني ولكن أتذكر أني قد رأيت عددا من الملاءات البيضاء علي الأسطح وقد كنت متأكد بأنهم يشعرون بالسعادة لأننا قد حرنتا الفلسطينيين من الحكم الأردني.
ديفيد : ما هي كانت نقطه التحول بالنسبة لك التي دفعتك إلي نقد الاحتلال؟
جدعون : لم تكن هناك نقطه حاسمه ولكنها كانت بطريقه تدريجية حيث بدأ عندما تم تكليفي كصحفي بالتوجه إلي الأراضي المحتلة للعمل لصالح صحيفة هآرتس لتغطيه الاحتلال حيث كنت كالفراشة التي جذبها النار أو الضوء.
في خلال عدد من السنوات كانت أرائي السياسية متنوعة ولم تتغير بين عشيه وضحاها لقد كانت حقا عمليه تدريجية أدركت خلالها أهميه دراما : الصهيونية والاحتلال وفي ذات الوقت لم يكن هناك من هو حاضرا "من الصحفيين الإسرائيليين" لينقل للإسرائيليين ظروف الاحتلال سواي. وفي وخلال الانتفاضة الأولي أصبح هناك اهتمام من وسائل الإعلام الاسرائيليه وبين الانتفاضة الأولي والثاني وجدت نفسي منجذبا لتغطيه الجانب الفلسطيني.
ديفيد : هل سبق وان رفضت الصهيونية تماما؟
جدعون : الصهيونية تحتوي علي عده معاني ولكن الاحتلال هو الذي يحمل معني الصهيونية بمفهومها الشامل بما في ذلك الاعتقاد السائد بأن اليهود لهم الحق الأكبر في فلسطين أكثر من أي أناس آخرون أي أن اليهود هم شعب الله المختار وهذا لا يمكن أن يحقق المساواة بين اليهود والعرب وبين اليهود والفلسطينيين. فأنا لا أستطيع أن أتشارك في هذه المعتقدات التي تعتبر هي أساس الصهيونية في وقتنا الحاضر وفي هذه الحالة فأنا اعتبر نفسي معاديا للصهيونية.
ومن ناحية أخري فان الشعب اليهودي الذي يؤمن بضرورة العيش في فلسطين جنبا إلي جنب مع الفلسطينيين والقيام بكل ما هو ممكن من اجل تعويضهم عما تعرضوا له من تهجير عام 1948 فان كانت تلك هي العقيدة الصهيونية في هذه الحالة فأنا أتشارك في تلك الرؤية.
ديفيد : هل من الممكن أن نعتبرك في جانب الصهاينة المعتدلين ؟
جدعون : إن الصهاينة المعتدلين في إسرائيل هم مثل حركه اليسار الإسرائيلي وأنا لا أستطيع أن ادعمهم مثل حزبي "ميرتس والسلام" فهم غير جاهزين لفتح "ملف 1948" وكما إننا لا نمتلك حلا لتلك المسألة ولا نستطيع أن نقدم شيئا فان كانوا هم مثال للصهيونية المعتدلة فانا أفضل أن ابقي هذه الحالة صادقا.
ديفيد : فالحق هو الأكثر صدقا؟
جدعون : بالتأكيد
ديفيد : وبما أن كل يهودي هو إسرائيلي فهل سبق وان ناصبت العداء لبعض الفلسطينيين أثناء عملك الصحفي في الأراضي الفلسطينية؟
جدعون : لا علي الإطلاق فعلي مدار 25 عاما كنت معهم وكنت اطلع علي كل مآسيهم يوما بيوم فمنهم شباب قد فقدوا خمسه أطفال في عائله واحده ومنهم من فقد سبعه في يوم واحد.
لقد كنت دائما هناك بجوارهم بعد تلك الحوادث وافهم جيدا ماذا يقصدون بقولهم " اسمعوا إننا لا نريد التحدث إلي أي إسرائيلي ارحلوا من هنا " ولكني كنت أقول انه توجد دائما فرصه للحوار حيث كان هناك اعتقاد ساذج بأنهم أن استطاعوا إيصال كلماتهم إلي الإسرائيليين من خلالي فسوف يتغير الاسرائليين وذلك من خلال نشر قصصهم في وسائل الإعلام الاسرائيليه ويمكننا مساعدتهم.
إنهم لا يعرفون من أكون "يقصد الفلسطينيين" فالناس لا تريد أن تتحدث معي وهذا لا يعني إنني لم يكن لي اسم معروف هناك. المرة الوحيدة التي قتل فيها أحدا علي سيارتنا حدث ذلك في صيف عام 2003 حيث كان هناك عدد من الجنود الإسرائيليين وكنا متوجهين إلي احد المناطق في سيارة تاكسي إسرائيليه وكان واضحا أنها إسرائيليه وقد اتبعنا تعليمات الضابط الإسرائيلي الذي قال لنا يمكنكم التوجه من هذا الطريق فتابعنا سيرنا وفاجأ تم إطلاق النار علينا ولكن لم يتم أصابه احد منا لقد اعتقدت وقتها إنهم لم يعرفوا هوية الراكبين. لقد كانوا سعداء بإطلاق النار ويبدو بأن هذا الحادث كان بالنسبة لهم "الجنود الإسرائيليين" كإشعال سيجاره هكذا تم الأمر بمنتهي البساطة.
ديفيد : هل توجهت مؤخرا إلي غزه؟
جدعون : لقد أعاقوا ذهابي إلي غزه, فالمرة الاخيره التي توجهت فيها إلي هناك كان في شهر نوفمبر 2006 كما ذكرت ذلك في مقدمي كتابي لقد ذهب لكي أري روضه أطفال انديرا غاندي بعد يوم واحد من مقتل نجوى خليف " راعيه الأطفال" التي قتلت أمام أطفالها بصاروخ إسرائيلي وعندما وصلت كانوا قد أزالوا الجثث فقد كانت هناك طائره تحلق في السماء ودبابة رابطه علي الأرض لقد ذهبت لحضور جنازة راعيه الأطفال. لقد أطلق صاحب الروضة عليها اسم انديرا غاندي" تيمنا باسم رئيسه الوزراء الهندية التي تم اغتيالها" فقد كان معجبا بها.
ديفيد : لقد ذكرت أحيانا انك كنت تود لو انك تتمتع بحريه كاملة في كتابه ما تريد ولكن الحياة تزداد صعوبة بالنسبة إلي الأشخاص الذين ينتقدون إسرائيل والحكومة تحاول بكل نشاط قمع الاحتجاج؟
جدعون : بالنسبة لي شخصيا فان الكتابة في صحيفة هآرتس والظهور علي شاشه التلفاز لم يكسبني مزيدا من الحرية واليوم أنا أقدم برنامج حواري تليفزيوني كل أسبوع ولكن كانت هناك فتره من الفترات يجب أن تكون فيها حذرا فعبارة" جرائم الحرب" لم تكن مقبولة قانونيا حتى في صحيفة هآرتس أما الآن فان تلك العبارة أصبحت تتردد في كل مكان ولا يعترض عليها احد سواء من الحكومة أو من الجيش.
ولكن في العام الماضي ظهر تصدع حقيقي في النظام الديمقراطي لإسرائيل حيث تحاول السلطات منع المتظاهرين من التوجه إلي "بلعين حيث نشبت مظاهرات احتجاجيه ضد بناء الجدار العازل الذي تشيده إسرائيل " وهناك أيضا عمليه لإسكات الأصوات الاحتجاجية عن طريق نزع الشرعية عن كل المنظمات الغير حكوميه والجماعات الاخري بهدف إسكاتها. إن هذه الأفعال ليست شيئا عارضا بل هي تنظيم منهجي بهدف أن تصبح الأمور أكثر صعوبة. مثل إسكات مجموعه من الجنود الإسرائيليين المعارضين للاحتلال الذين حاولوا كسر حاجز الصمت والسلطات تفعل ذلك أيضا مع منظمات دوليه مثل حركه التضامن الدولية التي تعتبرها إسرائيل عدوه لها.
ديفيد : هل سبق وان التقيت بناشطة السلام الامريكيه راشيل كوري التي قتلت قبل سبع سنوات بجرافه إسرائيليه؟
جدعون : للأسف لم التقي بها ولكني قد شاهدت عنها فيلما في الأسبوع الماضي. إن قتل كل من راشيل و جيمس ميلر وتوم هريندال واحدا تلو الأخر في غضون ما بين 6 إلي 7 أسابيع في نفس المكان بقطاع غزه هذا لا يعني إلا انه يحمل رسالة معينه.
ديفيد : ما رأيك في قرار والديها بمقاضاة إسرائيل بسبب موتها؟
جدعون : هذا ممتاز فعلا لقد سبق وأنا رأيتهم في إسرائيل إنهم غاية في النبل لقد تحدثوا عن مأساة الجندي الذي قتل ابنتهم بأنه ضحية أيضا مثل ابنتهم إنهم حساسون للغاية وأنا أتمني لهم أن ينجحوا فهم يستحقون تعويضا, اعتذارا , أي شئ عن مقتل ابنتهم.
لقد اشتركت مع البي بي سي في إعداد فيلم وثائقي عن مقتل جيمس ميلر إنها جريمة قتل حقيقيه فقد كان يعمل مصور صحفي ويرتدي ستره واقيه من الرصاص كتب عليها بوضوح "صحافه" ومع ذلك أطلقوا عليه النار.
ديفيد : ما هو رأيك في الاهانه التي وجهتها إسرائيل إلي الولايات المتحدة ببناء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية وذلك أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن إلي الشرق الأوسط؟
جدعون : اعتقد انه من السابق لأوانه الحكم علي ذلك الأمر ولكن هناك شئ ما يتم تدبيره وهذا واضح جدا في الأجواء الحالية " لقد أفصح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو عن نيته " ولكن السؤال الآن هو : هل يملك الأمريكيون جدول أعمال واضح ؟
هناك أمر واضح للغاية ألا وهو أن إسرائيل لم تعتمد اعتمادا كبيرا علي أمريكا مثل اعتمادها عليها في هذه الأوقات, لقد ارتكب باراك اوباما العديد من الأخطاء وكان أول عام من حكمه بمثابة فوضي ولكن علينا أن نعطي فرصه أخري للأمريكيين لأنه من المؤكد سوف يحدث تغيير في لهجة المعاملة واخشي أن يكون هدفهم هو التخلص من نتانياهو فان كان الأمر كذلك فسوف يؤدي بنا إلي جهة أخري تماما, فالشخص الذي سيحل محله سوف يكون إما اقل أو أكثر دبلوماسيه وهذا من شأنه أن يعيد مهزلة مباحثات السلام مره أخري وسوف نري عوده الصور الدبلوماسية مره أخري والتي لن تسفر عن شئ فانا من وجهه نظري في تلك الحالة أفضل حكومة يمينه فهم لا يلقون علينا بالمفاجآت.
ديفيد : اسبانيا والتي تشغل حاليا رئاسة الاتحاد الأوروبي قد سبق وان أعلنت عن نيتها في تعزيز علاقة الاتحاد الأوروبي بإسرائيل . ماهي أوجه تلك الدلالات في وجود إسرائيل علي الاجنده السياسية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي؟
جدعون : أعتقد بأنه من الخزي أن يتم مكافاه إسرائيل وعلي ماذا سيتم مكافأتها؟ من اجل تشييد المزيد من المستوطنات؟ لكن اعتقد بأن أوروبا سوف تتبع حتما التغييرات التي تحدث في واشنطن فهي تسير كالعمياء خلف الولايات المتحدة.
ديفيد : لقد دار جدال خفيف في الاونه الاخيره بخصوص ابن ايثان برونر مراسل صحيفة نيويورك تايمز الامريكيه في القدس بأن لديه ابن يخدم في الجيش الإسرائيلي . فهل ابنك يخدم في الجيش أيضا؟ ألا تعتقد بأن برونو قد خسر مصداقيته بهذا العمل ؟
جدعون : ابني يخدم أو لا يخدم في الجيش فهذا شأنه الخاص, ولديه حياته الخاصة فأنا لم أحاول أن أمارس ضغوطا علي أبنائي.
أما فيما يتعلق بإيثان برونر فان الأمر يحمل حساسية بالغه لان الصحفيين اليهود أو بالأدق الصحفيين الصهاينة الذين يقوموا بعمل تحقيقات صحفيه في منطقه الشرق الأوسط لصحفهم الوطنية فان ذلك يشكل مشكله كبيره ولكن من جهة أخري ومن خلال خبرتي الخاصة فانه يمكن أن يكون لك ابن يخدم في الجيش وفي ذات الوقت تكون محايدا في نقدك ولكن لا اعتقد بأن هذا لن يكون سببا كافيا لمنعه من تغطيه أحداث الشرق الأوسط لصحيفة نيويورك تايمز فعلي الرغم من ذلك فانه لابد أن يكون ممنونا لان فرصه مثل هذه لا تتوافر لعدد كبير من الصحفيين " فعلي سبيل المثال " فحتى ولو كان ابنه يخدم في كتائب شهداء الاقصي " المقاومة الفلسطينية "
ديفيد : ما هو الدور الذي يجب ان يقوم به الصحفيون من اجل التوصل إلي حل عادل ودائم للصراع الدائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
جدعون : إن الدور التاريخي الذي يجب أن تضطلع إليه وسائل الإعلام الاسرائيليه هو دور كبير للغاية فعلي تلك الوسائل الاعلاميه أن تكون حرة وخاليه من الرقابة وبعيده عن الضغوط التي تمارسها الحكومة الفلسطينية فبدون تعاون وسائل الإعلام الاسرائيليه فسوف يستمر الاحتلال لمده طويلة بل وسيكون مدمرا بطريقه لا أستطيع أن أصفها. فهذه ليست رومانيا أو روسيا السوفيتية إنها الديمقراطية الحرة فوسائل الإعلام تستطيع اختيار أي طريق لتسلكه ولكنها اختارت أن تلعب هذا الدور فعندما تري تدفق الكثير من المعلومات فحتما توقع مزيدا من دعاية الجهل والأكاذيب.
